عرض مشاركة واحدة
قديم 07-24-2011, 06:26 AM   #2
إداري
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 1,222
افتراضي رد: ضوابط وأصول التكفير والتفسيق عند أهل السنة والجماعة ( وفيه ردود طيبة على المتعجلين في تكفير المعين )

تابع :
السادس: الحكم المُطْلَق أو العام لا يستلزم الحكم على المعين بذلك:
فالعلماء يُقَرِّرون أن هناك فَرْقًا بين الحكم العام, والحكم على الشخص, فَفَرق بين الحكم على القول أو الفعل أو الاعتقاد، وبين الحكم على القائل أو الفاعل أو المعتقِد، وليس كل من وقع في الكفر أو البدعة، وقع عليه الكفر أو البدعة.
ومع ذلك فإن إطلاق الحكم العام فيه فوئد, منها:
أ- بيان حكم الشرع في الأقوال والأفعال والعقائد, ولا شك أن في هذا فائدة نشر العلم, وبيان أحكام الشريعة, وفي هذا صيانة لها من الاندثار والضياع.
ب- رَدْعُ وزَجْرُ الناس عن الوقوع في المكفرات أو المفسِّقات, وفي ذلك فائدة عظيمة, وهي صيانة المجتمع المسلم من الْحَوْم حول ما حرم الله, فإن ذلك موجب لضياعه وتدميره, ولو لم يسمع الناس تحذير الشرع من القول أو الفعل الفلاني لتقحَّموا فيه عن جهل.
فظهر أن إطلاق الحكم العام بين الناس فيه صيانة للشريعة من الاندثار, وصيانة للمجتمع من المعاصي المفضية للدمار.
لكن إنزال الحكم العام على المعيَّن لا يكون إلا بعد استيفاء الشروط, وانتقاء الموانع, فإذا تخلَّف شرط من شروط التكفير أو التفسيق أو التبديع, أو بقي مانع من موانع هذا الحكم على المعيَّن؛ فلا يُحكم على المعين بشيء من ذلك, والأصل أن يبقى المرء على ما هو عليه قبل إتيانه بما أتى به, حتى يتم استيفاء جميع الشروط فيه وانتفاء جميع الموانع عنه.
فعندنا مسألتان:
الأولى: مسألة التأصيل: وهي الحكم العام المأخوذ من نصوص الشريعة وقواعدها وأصولها, والخطأ في ذلك خطأ في إبلاغ الشريعة للناس, وهذه المسألة يقوم بها العلماء, وطلاب العلم, ولا بأس بالعامي الحاذق الفطن أن يحكي كلام العلماء فيها، ولا يستقل هو بحكم من عند نفسه.
الثانية: مسألة التنزيل: وهي الحكم على المعين, أو الفرد, أو القائل, أو الفاعل, والخطأ في هذه المسألة خطأ في حق مَنْ يُحْكَم عليه, وتشويه لأحكام الشريعة بوضعها في غير موضعها, ولذا فلا يقوم بهذه المسألة إلا العلماء والقضاة الذين سيترتب على حكمهم أمور معلومة في الشريعة, لكن لا بأس لطالب العلم أن ينصح الشخص, أو يحذره, أو يخبره بكلام أهل العلم فيما أتى به, كل ذلك لردع وزجر الفاعل عن فعله, أما الحكم على الشخص, ومعاملته على ضوء هذا الحكم؛ فلا يكون إلا بالرجوع إلى ولي الأمر, الذي يستدعي له جماعة من العلماء و القضاة؛ ليناصحوه, أو يستتيبوه، ويبيِّنوا له حكم الشرع فيما وقع فيه, فإن كان عنده شبهة أزالوها, وبينوا له خطأه, فإن رجع وأناب؛ فهذا من فضل الله, وهذا ما يحبه أهل الإيمان, فإنهم لا يفرحون بزلة أخيهم؛ لقوله تعالى: [إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ] {الزُّمر:7} وإن أصَرَّ وعاند؛ حكموا عليه بما يستحقه, ونفَّذَ وليُّ الأمر حكمهم في الشخص المحكوم عليه, فإن اتفق العلماء عمل ولاة الأمور بموجَب اتفاقهم, وإن اختلفوا تأنَّوْا في أمر الرجل, وإن استمر الشخص في الإصرار على ادعاء شبهة عنده؛ فإنهم سيميزون بين من يجادل بالباطل حفاظًا على أَتْباعه وأطماعه, وبين من يبحث عن الحق, وهو صادق في ذلك.
وإن لم يكن هناك وليّ أمر يقوم بذلك, واحتاج الناس إلى بيان حكم هذا الرجل - وإن لم تُطبَّق عليه الأحكام اللازمة لذلك- فلا بأس أن يجتمع علماء القُطْر, أو البلدة - إذا كانوا متأهلين لهذا الأمر- ليقوموا بما سبق بيانه, إذا أُمنت الفتنة، وكان في ذلك القيام ببعض ما أمر الله به، وإلا فالأصل النصيحة بالتي هي أحسن, وبيان الحكم الشرعي العام فيما أتي به المرء, وأما الأحكام فلا يتناولها إلا المؤهلون لها.
فإن قيل: لماذا لا يُقبل ذلك من آحاد طلاب العلم؟ فالجواب: سبق أن لا تكفير مع الشبهة والاحتمال, وأعلمُ الناسِ بالأحكام, وبدلالات الألفاظ, وبموارد الإجمال والاحتمال: هم أهل العلم والرفق والحلم, وهذه مسائل يعظم الخَطْبُ بالخطأ فيها, فلا يتناولها إلا أهلها, وقد جَرَّبنا جرأة طلبة العلم - أعني المبتدئين، والمتعجلين، والغيورين بلا ضوابط منهم- في هذا الباب, وجَرَّ ذلك مفاسد لا قِبَل للأمة بها, ولأننا عبر تاريخ المسلمين لم نعلم أن هذا الأمر قد رُدَّ إلى غير العلماء والقضاة, ولأن العلماء هم أهل العلم, والخشية من الله, والتُّؤدة والتثبت؛ فنأمن من جهتهم من ظلم أحد أو مجاملته على حساب الشريعة, بخلاف من هو دونهم في هذا كله, فحَدِّث ولا حرج، والله المستعان.
فإن قيل: ما هي الشروط الواجب توافرها, والموانع الواجب انتفاؤها قبل الحُكم على المعين؟
فالجواب: أن هذه الشروط والموانع هي:
1- العقل, ومقابله الجنون, فالعقل شرط, والجنون مانع, فلا تكليف مع الجنون, لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يَبْلُغ, وعن النائم حتى يستيقظ, وعن المجنون حتى يُفيق".
2- البلوغ, ومقابله الطفولة أو الصِّبا، وللبلوغ علامات معروفة عند أهل العلم في الذَّكَر والأنثى, وجمهورهم على أن من بلغ خمسة عشر عامًا, ولم تظهر عليه علامات البلوغ -ذكرًا كان أو أنثى- فإن الأحكام تجري عليه, أما إذا لم تظهر عليه هذه العلامات, أو لم يبلغ هذا السن؛ فلا تجري عليه أحكام التكفير أو التفسيق ونحوهما, للحديث السابق, وفيه: "...عن الصبي حتى يَبْلُغ..."
3- العلم, ومقابله الجهل, سواء كان الجهل بمعنى خُلُوّ النفس من العلم, وهو الجهل اليسير, أو بمعنى اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه, وهو من الجهل المرَكَّب.
ومن الأدلة على أن الجهل عُذْر: قوله تعالى: [وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] {التوبة:115} ومع أن سبب النزول في قوم استغفروا لأقاربهم المشركين، ولم يكن قد نزل نهْي عن ذلك؛ إلا أن العبرة بعموم المعنى، وليس خصوص السبب، والجاهل بالحكم في حُكْم من لم يعلم به أصلا، ومن لم يعلم بالحكم – مع عدم تفريطه- في حُكم من لم يُنَـزَّل عليه الحكم أصلاً، ولا تكليف إلا بعد العلم والبلاغ، والآية عامة في كل ما يُحكم به على المخالف بالضلال، بعد أن عُدَّ في جملة المهتدين، لقوله تعالى: [إِذْ هَدَاهُمْ] {التوبة:115} .
ومن الأحاديث:
أ- قصة الرجل الذي أوصى بنيه بإحراقه، وفيه: "لئن قَدَرَ الله عليَّ ليعذبَنَّي عذابًا ما عَذَّبه أحدًا من العالمين" قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرَّق هذا التفرُّق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد: من إنكاره لقدرة الله، وإنكاره معاد الأبدان وإن تَفَرَّقَتْ؛ كُفْر، لكنه كان مع إيمانه بالله، وإيمانه بأمره، وخشيته منه جاهلاً بذلك، ضالاًّ في هذا الظن مخطئًا، فغفر الله له ذلك".
ب- أهدى رجل لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- راوية خمر، فقال له: "هل علمتَ أن الله قد حَرَّمها؟" فقال: لا، فسارّه رجل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "بم سارَرْتَه؟" قال: أمرته أن يبيعها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "إن الذي حرَّم شربها حرّم بيعها" ففتح الرجل المزادتين حتى ذهب ما فيهما, هذا والخمر حرمتها أكيده، ولكن الجاهل له حكم آخر.
ج- قصة ذات أنواط: فبعض المسلمين طلبوا من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يجعل لهم ذات أنواط مثل المشركين، وهي شجرة كان المشركون إذا مروا بها يُعَلِّقون بها سيوفهم، معتقدين أن هذا جالب للنصر على عدوهم، وهذا اعتقاد مكَفِّر، ولما كان هؤلاء الصحابة المتكلِّمون بذلك حدثاء عهد بالإسلام؛ عَذَرهم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولم يحكم بكفرهم واستتابتهم، إنما حذرهم من هذه المقالة المشابهة لمقالة بني إسرائيل لموسى -عليه السلام-.
د- ولقد دَفَعَ عمرُ الحدَّ عن امرأة حديثة عهد بإسلام لما زنت، ووجدها تستهل به, أي لا تبالي بالإفْصاح عنه، ولا تكتمه, لعدم علمها بتحريم الزنا، والزنا معلوم تحريمه من الدين بالضرورة، لكن الجهل في حق هذه المرأة – لحداثة عهدها بالإسلام- كان سببًا في عدم عقوبتها بموجَب فعلها.
نعم، هناك تفصيل بين من تمكن من العلم، ولم يُحلْ بينه وبين العلم حائل إلا الإعراض والزهد فيه وفي أهله، وبين من كان جهله بسبب عدم تمكنه من العلم، فالثاني معذور بخلاف الأول، لكنه حتى يصل الباحث في حال شخص ما إلى جَعْلِهِ من أحد النوعين؛ فهذا يحتاج إلى وقت، وجُهد، ونَظَر، وأثناء هذا كله: فالأصل عدم حَمْلِه على النوع الأسوأ حتى يظهر أنه كذلك.
فإن قيل: إن العلماء لا يعذرون إلا من كان حديث عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية.
فالجواب من وجهين:
أ- أن هذا القول منهم على سبيل المثال لا الحصر، أو لأن الجهل في حق هذين الصنفين أكثر من غيرهما، وهذا لا يمنع من جهل بعض من يعيش في الحاضرة وما حولها جهلاً يُعْذَر به.
ب- لو سلمنا بأن كلامهم على سبيل الحصر، ثم رأينا من يقع في مُكفِّر، ولا ندري أهو جاهل أم لا، وهل جهله لكونه أحد الصنفين المذكورين أم لا؛ فمع هذا الاحتمال لا يمكن التسرع في تكفيره بعينه حتى يثبت لنا أنه ليس من هذين الصنفين، فآل الأمر أيضًا إلى عدم تكفيره قبل إقامة الحجة، وإبلاغه الحكم الشرعي فيما فعل، ومن ثَمَّ عناده وإصرارُه، أو إعراضه وعدم مبالاته!!
4- ومن شروط التكفير: قَصْد الفعل أو القول أو الاعتقاد المُكَفِّر، وإن لم يَعْلم المرء أنه كُفْر، لأنه لا يُشترط في التكفير أن يقصد الكافر فعل الكفر فيما يراه هو، لأنه لو كان كذلك لما كفر اليهود والنصارى، فإن أكثرهم كفر وهو يظن أنه يحسن صنعا، قال تعالى: [قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104) ] {الكهف} وقال تعالى: [فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ] {الأعراف:30} فمن قصد الفعل المكفِّر - وإن لم يعلم أنه كُفْر- وعلم بأنه منهي عنه، فقد توافر فيه شرط القصد، ثم إذا ظهر أنه جاهل يُعَلَّم، فإن أصرَّ كَفَرَ بهذا، ويُنظر في بقية الشروط والموانع، أي أنه إذا بلغه حكم الله فيما أتى، فلا يُشترط أن يُسلِّم لمن يقيم عليه الحجة بذلك، شريطة ألا يكون المحكوم عليه عالمًا؛ لاحتمال أنه اجتهد ورأى في حُكْم المسألة خلاف ما يرى العالم الذي يقيم عليه الحجة – وهذا لا يكون في المسائل المجْمَع عليها-.
والخلاصة: أنه لا يُشترط أن يقول: نعم أنا أفعل الكفر، وسأستمر على ذلك، إنما يُشترط أن يُبَلَّغ حكم الله ممن تقوم به الحجة، وأن يُخْبرَ أن ما هو عليه كُفْرٌ أكبر, فإن أصر وعاند كَفَرَ، بعد مراعاة بقية الشروط والموانع، والله أعلم.
والقصد منه عام وخاص, فالعام: هو تحقيق الإرادة الجازمة لتحقيق الفعل على وجه الرضا والاختيار, بحيث يكون الإنسان مخيرًا بين أن يفعل الفعل أولا يفعله, وهذا هو مناط التكليف.
وأما القصد الخاص: وهو إرادة فِعْل الكفر أو الفسق أو البدعة مع العلم بحكم ذلك, فقد سبق أن هذا ليس شرطًا في التكفير, والله أعلم.
والقَصْد مقابله الخطأ, فالخطأ مانع من موانع التكفير أو الفسق أو البدعة, ولهذا أدلة كثيرة, منها:
أ- قوله تعالى: [وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا] {الأحزاب:5} .
وقوله سبحانه وتعالى: [رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا] {البقرة:286} وعند مسلم أن الله عز وجل قال: "قد فعلتُ".
ب- وحديث: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه".
جـ- وحديث: الرجل الذي وجد راحلته بعد ما ضلَّتْ عليه, وأيقن بالهلكة, فقال: "اللهم أنت عبدي, وأنا ربك" أخطأ من شدة الفرح.
والخطأ ضد الصواب, والمخطئ: من أراد الصواب فصار إلى غيره, أو من أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل.
والمقصود بالخطأ الذي يُعذر به صاحبه: هو ما صدر من باحث عن الحق مجتهد في الوصول إليه, إلا أنه لم يُوفَّق للصواب, بخلاف المخطئ بتفريطه, وتعديه حدود الله, وسلوكه السبيل الذي يُنْهَى عنها, فهذا هو الظالم لنفسه, ومن أهل الوعيد, قاله شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله-
والمقصود بالأعذار في الخطأ والنسيان - المنافييْن للقصد-: رفع الإثم والحرج, لا الحكم بأنه أخطأ في كذا أو كذا, كما لو قتل مؤمنًا خطأً, أو أتلف مال غيره, فالإثم مترتب على المقاصد والنيات, والناسي والمخطئ لا قَصْد لهما, فلا إثم عليهما, وأما رفْع الأحكام فليس مرادًا, فيحُتاج في ثبوتها أو نفيها إلى دليل آخر, قاله الحافظ ابن رجب.
والخطأ في حق العلماء المجتهدين, أو طلاب العلم المؤهلين يكون عن تأويل في الاجتهاد, فخرج من باب الخطأ في التأويل: العامة وأشباههم من المتجرئين غير المؤهلين.
والخطأ في التأويل منه مذموم يأثم به صاحبه, وهو ما يُفضي إلى تعطيل أحكام الشريعة, فإنه من أكبر أصول الضلال والانحراف, حيث كان ذريعة لغلاة الجهمية والباطنية والرافضة والصوفية الحلولية والاتحادية في تأويل التكاليف الشرعية على غير حقيقتها, أو إسقاطها, أو الإلحاد في أسماء الله وصفاته بنفْي جميعها أو جُلِّها.
ومن التأويل ما يكون من قبل الخطأ, وتكون المخالفة دون قصد, ويكون سببها الجهل بحقيقة المراد من الأدلة.
والتأويل السائغ: ما كان من جنس التأويلات التي تتعلق بالفروع العلمية والعملية, وقد قال الحافظ: "يقول العلماء: كل متأول معذور بتأويله, ليس بآثم: إذا كان تأويله سائغًا في لغة العرب, وكان له وجْه في العلم" اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "إن المتأول الذي قَصَدَ متابعة الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يُكفَّر, بل ولا يُفَسَّق إذ اجتهد فأخطأ, وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية, أما مسائل العقائد فأكثر الناس كَفَّر المخطئين فيها, وهذا القول لا يُعْرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان, ولا عن أحد من أئمة المسلمين, وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع"اهـ.
ومن الأدلة على أن الخطأ في التأويل مانع وعذر لمن قصد متابعة الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا من قصد إفساد الدين وتدميره ما يلي:
أ- حديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب؛ فله أجران, وإذا اجتهد فأخطأ؛ فله أجر"
ب- خَطَأُ قدامة بين مظعون في استباحته شُرْب الخمر، متأولاً قوله تعالى: [لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ] {المائدة:93} فدفَع عمر حُكْم الكفر عنه لتأويله, وأقام عليه الحد لشرب الخمر.
جـ- فتوى ابن عباس: "إنما الربا في النسيئة" وأجاز بيع الصاعين بالصاع؛ لحصره الربا في النسيئة, فأباح بعض صور الربا المحرم عن تأويل.
د- عدم تكفير الأئمة وجماهير السلف لأهل الأهواء, رغم ما ينتحلونه من عقائد تصادم أصول الدين وقواعده, وذلك للتأويل الذي زاغوا بسببه.
الخامس: ومن شروط التكفير: الاختيار, ومقابله الإكراه, وفي كلام بعضهم جَمْع بين القصد والاختيار, وله وجْه, إذ لا يُتصور أن رجلاً يختار فعلاً وهو غير قاصد له, وعلى كل حال فالإكراه مانع من موانع التكفير والتفسيق وغيرهما.
والإكراه: هو حَمْلُ الغير قهرًا على ما ينافي رضاه واختياره, أو إلزام الغير بما لا يريده.
وله شروط:
أ- أن يكون المكرِه -بكسر الراء- قادرًا على إنفاذ وعيده.
ب- أن يكون المكرَه - بفتح الراء- عاجزًا عن دفع الضرر عن نفسه, ولو بالفرار.
جـ- أن يغلب على ظن المكرَه -بفتح الراء- وقوع ما هُدِّد به.
د- أن يكون الضرر المترتب على عصيان المكرِه -بكسر الراء- كبيرًا: كقتْل, أو قطْع عضو, أو ضرْب شديد, أو حبْس طويل, أو قطْع رزق يتضرر بقطعه, فإن كان المكرَه -بفتح الراء- من أصحاب المروءات والوجاهة؛ اعْتُبِر في حقه يسير الحبس، والشتم، والأذى المعنوي ضررًا كبيرًا, وإكراهًا, قاله الجمهور اهـ، ومن الأدلة على أن الإكراه عُذْرٌ:
أ- قوله تعالى: [مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] {النحل:106} والمشهور في كتب التفسير أنها نزلت في عمار بن ياسر والمؤمنين الذين عُذِّبوا في مكة.
ب- قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "رُفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه" وقد سبق.
6- ومن شروط التكفير: القدرة, ومقابلها العجز, ولا شك أن مناط التكليف الاستطاعة, فقد قال تعالى: [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ] {الحج:78} وقال سبحانه: [لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا] {البقرة:286} وقال عز وجل: [لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا] {الطَّلاق:7} ويقول عز وجل: [إِلَّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا(98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا(99) ]. {النساء}.
وهذا النجاشي - رحمه الله- قد عَجَزَ عن الهجرة إلى الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-, وفاتته أحكام كثيرة، لم يعلم بها بسبب عدم قدرته على الهجرة, ومع ذلك أثنى عليه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-, وصلى عليه صلاة الغائب.
فهذه شروط التكفير التي يجب توافرها, وهذه موانع يجب انتفاؤها قبل الحكم على المعين بالتكفير أو التفسيق أو نحوهما.
ومن هنا صرح العلماء بأنه لا يلزم من إطلاق الحكم العام الحكمُ على المعين إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.
فإن قيل: إنما يُعذر بالجهل في التكفير لا التبديع والتفسيق؛ فالجواب من وجوه:
1- أن الأدلة عامة، فمن فرّق فعليه الدليل.
2- أن ما سبق من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره مما لم أذكره عام، بل صريح في عدم التفسيق إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة، ومن فرّق فعليه أن ينقل عنهم خلافه.
3- أن أدلة التحذير من الكفر أكثر وأشهر في الكتاب والسنة من أدلة التحذير من المفسِّقات، فإذا سلمتم بالعذر في الأكثر وضوحًا؛ لزمكم أن تُسَلِّموا بالعذر في الأقل وضوحًا، أو الأكثر خفاءً، والمشهور في كتب أهل العلم عكس هذا القول، فلا يعذرون في المكفِّرات، ويعذرون فيما هو دونها، والله أعلم.
فإن قيل: لا عُذر في الأمور الواضحة، ومنها الوقوع في المكفِّرات، إنما العذر فيما هو دون ذلك، أي في المسائل الخفية، فالجواب: أن الأدلة عامة، ومن كان مسلمًا ووقع في مكفِّر ظانًّا أنه من الإسلام – لجهله، أو خطأه، أو تأويله- فلا يُخرج من الإسلام إلا بعد إظهار مخالفته لما ظن فيه الموافق لدين، ومن نظر في صنيع العلماء مع أهل الأهواء الغلاة؛ علم أنهم لم يكفروهم بأعيانهم دون إقامة الحجة، وسيأتي من كلامهم ما يدل على ذلك، نعم إذا وقع في مُكفِّر ليس للقرْبة به معنى أو شبهة؛ فلا يُعْذر، لكن حتى يتبين هذا من ذاك؛ فلا تكفير، والله أعلم.
وقد طَبَّق السلف هذا الأصل في التفرقة بين الحكم العام والحكم على المعيَّن تطبيقًا صحيحًا, بل إن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بين ذلك في قصة الرجل كان يشرب الخمر كثيرًا, ويقام عليه الحد, ويعود لشربها, حتى قال رجل: لعنه الله, ما أكثر ما يُؤتى به, فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: " لا تلعنوه؛ فو الله ما علمتُ إنه يحب الله ورسوله".
هذا, مع أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد لعن في الخمر عشرة أشياء: "عاصرها، ومعتصرها – أي طالب عصرها- وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراه له"( فلما أنزل بعض الصحابة الحكم العام على المعيَّن دون علمه بمانع يمنع اللعنة في حق هذا الرجل؛ رَدَّ عليه رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وبين له ما يمنع لعنه بعينه.
ومن أمثلة كلام أهل العلم في ذلك:
أ- قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "إني من أعظم الناس نَهْيًا عن أن يُنْسَب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية, إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة, وفاسقًا أخرى, وعاصيًا أخرى" أهـ.
ب- وقال أيضًا: "إن التكفير له شروط وموانع، قد تنتفي في حق المعين, وإن تكفير المطلق لا يلزم منه تكفير المعين, إلا إذا وُجدت الشروط, وانتفت الموانع, يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفِّروا أكثر من تكلم بهذا الكلام" وقال: "حتى يقوم فيه المقتضِي - أي للتكفير- الذي لا معارض له"
أهـ وقال: "لابد من إقامة الحجة, وإزالة الشبهة"
جـ- وقال ابن أبي العز: "وأما الشخص المعين إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد, وأنه كافر؟ قلنا: لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة, فإن من أعظم البغي أن يُشْهد على معيَّن أن الله لا يغفر له, ولا يرحمه, بل يخلده في النار, فإن هذا حكم الكافر بعد الموت" أهـ.
السادس: ومن ضوابط وأصول التكفير: أنه لا يُحْكم على الرجل بلازم كلامه أو مآله, إلا إذا عُرض عليه لازم قوله والتزمه، وأقرّ بأنه قوله أيضًا, وإنما يُحكم عليه بصريح كلامه, وقد يقول بعضهم: لا يلزم من الكفر في المآل الكفْرُ في الحال, أو لازم القول ليس بقول إلا إذا التزمه.
وهذا من رحمة الإسلام وعَدْله؛ فقد يتكلم المرء بكلام لا يستحضر لوازمه وما يؤول إليه, فتحميله هذه اللوازم مباشرةً دون معرفة رضاه بها أم لا؛ ليس من الرحمة التي جاء بها هذا الدين, لكن إذا عُرض عليه كلامه, وأُخْبِر بلوازمه الفاحشة التي لا تنفك عنه, فإن قَبِلَها؛ فيُحكم عليه بما يستحق, وإلا كان متناقضًا, ولا يلزم من تناقضه أن يكون كافرا, فإن التناقض شيء, والكفر شيء آخر, وقد قال الشاطبي: -رحمه الله- : "والذي كنا نسمعه من الشيوخ: أن مذهب المحققين من أهل الأصول: أن الكفر بالمآل ليس بكفر في الحال, كيف والكافر ينكر ذلك أشد الإنكار, ويرمي مخالفه به" أهـ.
السابع: لا يَلْزم مِنْ نفْي الإيمان عمن قال كذا، أو فَعَلَ كذا وقوع الكفر أصلاً, فقد يكون هذا لنفْي الكمال الواجب للإيمان, لا لنفْي أصل الإيمان, ومن ذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-"والله لا يؤمن, والله لا يؤمن, والله لا يؤمن" قيل: من يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمن جارُه بوائقَه"( ) .
ونحو ذلك ما ورد في الأحاديث: "ليس منا..." أو "...فهو منهم" أو "لا يدخل الجنة..." أو "...فهو في النار" و "...فقد كفر" أو "...فقد أشرك" ونحو هذا، فلابد من معرفة المراد بهذه النصوص: هل المراد نَفْي أصل الإيمان، أو كماله الواجب؟ ولا يصح حَمْلها أو حَمْل بعضها على نفي المستحب، لأن تارك المستحب لا يقال في حقه: "ليس منا" أو: "لا يؤمن" ...الخ، ولو تأكدنا من أن المراد نفْي أصل الإيمان؛ فبقي مراعاة الشروط والموانع الأخرى.
الثامن: الكفر مضاد للإيمان, فيكون بالقول والعمل والاعتقاد, كما أن الإيمان قول وعمل واعتقاد, والكفر له أصول وشُعب, كما أن الإيمان له أصول وشُعب, فإذا كان القول أو الفعل أو الاعتقاد ينافي أصل الإيمان, ويوافق أصل الكفر؛ فهو كفر أكبر, وإذا كان ينافي بعض شُعب الإيمان وواجباته, ويوافق بعض شُعب الكفر - التي لم تبلغ إلى درجة أصول الكفر- فهذا نَقْصٌ – بالصاد المهملة- في الإيمان, ونَفْيٌ لكماله الواجب لا أصل الإيمان.
ومع أن التكذيب والجحود أعظم أنواع الكفر وأُسُّه؛ لكن الكفر ليس محصورًا فيهما، فالكفر يكون: بالتكذيب، والجحود، والشك، والنفاق، والإعراض، والاستهزاء، والتولِّي، وغير ذلك مما نصَّ عليه أهل العلم، وإن كان بعضها مترادفًا لمعنى واحد، أو داخلاً في نوع آخر من أنواع الكفر، أو عائدًا إليه، إلا أن الحصر للكفر في التكذيب قول مجانب للصواب.
التاسع: ما كان كفرًا بذاته, أي أنه من أصول الكفر, فلا يُشترط في التكفير به استحلال فاعله, إنما يُشترط الاستحلال في المعاصي والذنوب التي هي دون الكفر، فإن الاستحلال لما حرم الله نوع مستقل من أنواع الكفر، بعد مراعاة شروطه وضوابطه، ولا يُشترط في التكفير للمعين توافر نوعين فأكثر من أنواع الكفر، بل هذا من زيادة الطغيان والجرأة على الله تعالى.
(تنبيه): استحلال المحرم كتحريم ما أوجبه الله في التكفير به، فمن استحل الفواحش والكبائر، كمن حرّم أداء الزكاة، وصوم رمضان، وبرَّ الوالدين، وصلة الرحم، وغير ذلك من الواجبات الشرعية المقطوع بوجوبها دون تأويل يُعْذَر به.
العاشر: الكفر كفران: أكبر وأصغر, وبعضهم يقول: كفر اعتقادي, وكفر عملي, وليس ذلك دقيقًا, فالكفر العملي منه ما هو أكبر وأصغر أيضًا, ومنه ما يدل على اعتقاد أمر مكفِّر, ومنه دون ذلك, وهناك أمور مكفرة سواء دلت على اعتقاد أمرٍ مُكَفِّرٍ أم لا, ولا يُشترط معرفة اعتقاد المرء فيها, إنما هي كفْر مجرد, كمن سجد لصنم, أو سب الرب عز وجل, أو رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-, وادعى أنه فعل ذلك إغاظة لفلان, أو تقليد لفلان، وإلا فهو لا يعتقد ذلك, فلا يُقبل منه هذا, ويُحكم بكفره وإن أصرَّ على ذلك بعد مراعاة الشروط والموانع.
وكذا الشرك شركان: أكبر وأصغر, والنفاق نفاقان: اعتقادي وعملي, أو أكبر وأصغر, والفسق فسقان, والظلم ظلمان, والذنب ذنبان, والمعصية معصيتان, والبدعة بدعتان, والجهل جهلان, والضلال ضلالان,...الخ، ولا بد من الرجوع في تفصيل ذلك إلى سياق الأدلة, والجمع بينها, وشروح العلماء, وإلا فهذا مَظِنة مزلة أقدام, وضلال أفهام, والله المستعان.
الحادي عشر: المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب الكبيرة أو الكبائر وإن أصرّ عليها, والإصرار عدم التوبة من الذنب، ولا يَكْفُر المرء به ما لم يستحل ذلك, والاستحلال منه قولي, ومنه عملي, فالقولي: هو جَعْل الحرام الصريح المجمع عليه حلالاً, وبنحوه - في المعنى- جَعْل الحلال الصريح المجمع عليه حرامًا دون تأويل فيهما, والتأويل عُذْر حتى يُزال عن صاحبه اللبس, وأما الاستحلال العملي فظاهر من حرص فاعل المعصية عليها, وفرحه بالظَّفَر بها, والصواب أنه لا يُكَفَّر إلا بالاستحلال القولي, وإلا كفَّرنا كثيرًا من ذوي المعاصي والذنوب.
ومن الأدلة على أن الإصرار على الذنب ليس كفرًا مخرجًا من الملة: قوله تعالى: [إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ] {النساء:48} فقسَّمت الآية الذنوب إلى قسمين، وهما: الشرك، وما دونه، وحكمتْ بحكمين؛ الأول: أن الشرك لا يُغفر، أي إذا لم يتب صاحبه، فإنه لا يكفِّر الشرك إلا التوبة، والثاني: المغفرة لمن شاء الله له ذلك، ممن وقع فيما هو دون الشرك، أي دخول الشخص تحت المشيئة، وهذا فيمن لم يتب، وإلا لو تابوا لغُفر لهم جميعًا، لا لبعضهم الذي يشاء الله ذلك له، دون التائب الآخر، فإن الله عز وجل يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات، والتوبة تجُبُّ ما قبلها، فدلت الآية على أن من يدخل تحت المشيئة ليس تائبًا، وهذا هو تعريف المُصِرُّ على ذنبه، ولو كان مشركًا بإصراره؛ لأُلحق بالقسم الأول، فلما غايرت الآية بينهما؛ دل ذلك على تغاير أحكامهما، والله أعلم.
ومن الأدلة أيضًا: قوله تعالى فيمن يرمون المحصنات: [وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ(4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(5) ] {النور}.
فالآية الكريمة قد ذكرت ثلاث عقوبات لمن قذفوا امرأة محصنة:
أ- الجلْد.
ب- رد شهادتهم على الأبدية، أي كلما قدَّموا شهادتهم رُدَّتْ.
ج- الحكم بفسقهم.
ثم استثنت الآية الثانية بعد ذلك التائبين، ومعلوم أن من لم يتب حتى جُلِد، فلا مجال بعد ذلك لاستدراك أمر الجلْد بعد التوبة، وأما الحكم برد الشهادة الأبدية، كما في قوله تعالى: [وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا] فإنه دليل على بقاء حياة القاذف بعد الحد وقبل وبعد التوبة، ولو كان كافرًا لضُربت عنقه، لحديث: "من بدَّل دينه فاقتلوه".
فطالما أنه حَيٌّ، ويعرض شهادته في أمور دنيوية أخرى أو دينية، ويُكْتَفَى برد شهادته فقط؛ كل هذا دليل على عدم كفره، مع أنه لم يتب، لأنه لو تاب لقُبلت شهادته، ورُفع عنه حكم الفسْق، وثبتت له العدالة.
فهذا قاذف، والقذف من كبائر الذنوب، ومُصِر على القَذْف، ولم يتب منه، ومع ذلك فهو حَيٌّ يعرض شهادته من حين لآخر، فيُكتفى بردها فقط دون قتله، فكل هذا يدل على إسلامه مع إصراره على ما هو دون الشرك، فالْمُصِرُّ من جملة أهل الإسلام، لا من الكفرةُ المشركين، وليس هذا من باب فتح المجال للعصاة في الاستمرار عليها، فإن ذلك يجرّهم إلى الشرك الأكبر، ولكن ذلك في مقام دفع غلو من غلا في هذا الباب، والله أعلم.
الثاني عشر: المعلوم من الدين بالضرورة أَمْرٌ إضافي نسبي, يتغير من زمن إلى زمن, ومن مكان إلى مكان, ومن شخص إلى آخر, فقد يكون أحد الواجبات معلومًا في زمن ما, أو مكان ما, أو لشخص ما, ولا يكون كذلك الأمر نفسه في زمن آخر, أو مكان آخر, أو لشخص آخر, ولذلك لا يُطبق كلُّ ما يُقرأ عن العلماء في هذا المعنى في أي زمان, أو مكان, أو على أي شخص حتى يُنظر: هل خالف المعلوم بالضرورة من الدين عنده, أو عند أهل زمانه وأمثاله, أم لا؟ وحديث حذيفة – رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: "يَدْرُس الإسلام كما يَدْرُس وشْي الثوب، حتى لا يُدرَى ما صيام، ولا صلاة، ولا نُسك، ولا صدقة، وليُسْرى على كتاب الله عز وجل في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير، والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها "فقال صلة بن زفر لحذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟! فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثًا، كل ذلك يُعْرِض عليه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، قال: يا صلة، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار" فهذا دليل على أن هناك طوائف قد تجهل وجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج، بل وبقية الواجبات إلا كلمة التوحيد، وهل هناك معلوم من الدين بالضرورة أشهر من هذه الأمور التي جهلتها هذه الطوائف؟ فالمسألة نسبية إضافية، تختلف من شخص لآخر، ومن زمن لآخر، ومن بلد لآخر، والله أعلم.
الثالث عشر: لابد من فهم كلام العلماء على مرادهم, لا على المعنى الحادث بعدهم, كقولهم: "من لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر" يريدون من لم يقر بأن حكم الله في التحليل والتحريم لازم له, وأنه داخل في جملة المخاطَبين به, والمكَلَّفين به, وأنه مُعَرَّض للوعيد إذا خالفه, فمن لم يُقرَّ بذلك فهو كافر, وهذا حق لا مِرْية فيه، فإن من لم يقرّ بذلك؛ لم يقرّ بأنه مُلْزَم بحكم الله عز وجل وحكم رسوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهل يشك أحد في كُفْر من كان كذلك؟ وليس المراد من هذه العبارة: من لم يتحاكم عمليًّا إلى الكتاب والسنة؛ فهو كافر، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "منهاج السنة": "ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله؛ فهو كافر..." إلى أن قال: "بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحْكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله سبحانه وتعالى، كسواليف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفْر، فإن كثيرًا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم، التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله؛ فهم كفار، وإلا كانوا جُهالاً كمن تقدم أمرهم،...." إلى أن قال: "فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم؛ فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزمًا لحكم الله ورسوله باطنا وظاهرًا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة" اهـ فتأمل إثباته الالتزام ظاهرًا وباطنًا، مع وجود المعصية واتباع الهوى في العمل، مما يدل على أن المراد بالالتزام الإقرار بالحكم وإعلان أنه لازم للمرء، ومخاطَب به، وهذا كله عمل قلبي، لا مجرد عمل الجارحة.
الرابع عشر: يُفرِّق كثير من العلماء بين قوله: "فلان كافر", وقوله: "كَفَر فلان" أو "هذا كُفْر"، أو "الكُفْر" بالألف واللام، فلا بد من التأكد من عبارة العالم قبل نسبة القول بالتكفير إليه.
كما أن كثيرًا منهم يطلق الحكم بالكفر على من فعل كذا, ويعني بذلك بيان حكم الفعل أو القول أو الاعتقاد, لا الحكم على المعَّين، وقد سبق هذا مفصلاً، فلا يصح نسبة القول بالتكفير للعالم الفلاني إلا بعد معرفة وجْه كلامه.
(تنبيه): قد يقول قائل: الشخص الذي يعمل أمرًا مكفِّرًا، ولم نتمكن من إقامة الحجة عليه، إما لعدم قدرتنا على الوصول إليه، أو لعدم وجود من يقيم الحجة عليه، ويبين له حُكم الله فيما يقوم به، ويزيل الشُّبَهة العالقة بذهنه، والتي حملتْه على الوقوع فيما وقع فيه، ولم نعلم بمن أقام الحجة عليه من كبار العلماء، أو من اللجان العلمية، فما حكمه حتى يتم ذلك؟ وكيف نتعامل معه؟
الجواب: الأصل إبقاء حُكم الإسلام عليه، لأن الدين الذي ينتمي إليه، ويجب نصحه بالتي هي أحسن، والتحذير من اتباعه فيما ذهب إليه، والتعامل معه بما يوافق الشرع، فإن كان وليّ أمر؛ فالأصل السمع والطاعة له في المعروف، وعدم خَلْع اليد من الطاعة، وإن كان إمام مسجد، ويترتب على ترك الصلاة معه ترك الجماعة بالكلية، ويتعذر تغييره؛ فالأصل الصلاة وراءه، لأنه مسلم في الجملة، أما إن أمكن تغييره بلا فتنة أكبر، أو أمكن الصلاة خلف غيره في مسجد آخر؛ فتُترك الصلاة معه، إخمادًا لفتنته، ولأن الإمامة للخيار منا، للأحاديث الواردة في ذلك، والله أعلم.
(خاتمة): لاشك أن الحوار العلمي الرصين سبب في صَدِّ الفتن ظاهرًا وباطنًا، بخلاف الاعتماد على القدرة والتنكيل بالمخالف، وعدم التعويل على الحوار العلمي؛ سبب لفتن كثيرة، وقد قال المأمون الخليفة العباسي: "غَلَبَةُ الحُجة أحبُّ إليَّ من غَلَبَة القدرة؛ لأن غَلَبَة القدرة تزول بزوالها، وغَلَبَةُ الحجة لا يُزيلها شيء" أهـ.
هذا ما تيسَّر بيانه على وجه الاختصار، وإلا فالمقام يحتاج إلى مزيد إضافة أدلة وآثار تؤكد صحة هذه الضوابط.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
كتبه:
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
دار الحديث بمأرب
20/10/1430هـ
***********************
البخاري رقم (121) ومسلم رقم (65) من حديث جرير.
"تفسير الطبري" (9/194).
أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (11/434) ترجمة عبد الله أمير المؤمنين المأمون بن هارون الرشيد، ومن طريق الخطيب أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" وفي سنده من هو مطعون فيهم.
أخرجه البخاري رقم (3610) ومسلم برقم (1064).
أخرجه البخاري (6104) ومسلم (60) واللفظ له.
أخرجها البخاري (6045) واللفظ له، ومسلم (61).
أخرجها البخاري (6047).
وهذا مقتضى الحكم على المخالف بالكفر وليس هو كذلك, لأن حكم الكافر عدم المغفرة له أبدا، أو تحريم الجنة عليه، أو الخلود أبد الآبدين في جهنم، فمن ولج هذا الباب بلا ضوابط تعرض لهذا الوعيد, ومن ولج بحق فهو بين أجر وأجرين.
أخرجه البخاري (4269) مختصرًا, ومسلم (96).
أخرجه البخاري (4019، 6865) ومسلم (95).
أخرجه البخاري (3007) ومسلم (2494).
"الجامع لأحكام القرآن" (18/52)
أخرجه البخاري (4339).
ضعيف الإسناد؛ انظر "الضعيفة" (2197).
وقد ضعّفه شيخنا الألباني - رحمه الله- في "الإرواء" (7/343 برقم 2316).
رواه مسلم برقم (153).
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" برقم (37929) والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" برقم (591) بسند حسن.
(1/344).
"متن القصيدة النونية" (42).
انظر "مجموع الفتاوى" (7/508) ، (12/489).
انظر "العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية" لابن عبد الهادي (ص221).
انظر "منهاج السنة النبوية" (5/251).
انظر "مجموع الفتاوى" (12/455).
"أصول وضوابط في التكفير" (16-18)
(3/520-521).
يعني أبا إسماعيل الهروي.
أخرجه بنحوه البخاري (393).
أخرجه البخاري (2946) ومسلم (20).
أخرجه البخاري (4351) ومسلم (1064).
أخرجه البخاري مختصًا برقم (4269 ، 6872).
أخرجه البخاري (4019، 6865) ومسلم (95).
أخرجه البخاري (2641).
أخرجه البخاري (3208) ومسلم (2643).
صحيح، انظر "الإرواء" (2/ صـ 4/برقم 297).
أخرجه البخاري (3481) ومسلم (2756).
انظر "مجموع الفتاوى" (11/ 409)
أخرجه مسلم (1579).
أخرجها أحمد (21900) والترمذي (2180) وانظر "ظلال الجنة" لشيخنا الألباني – رحمه الله- برقم (76).
ضعيف، أخرجه الشافعي في "المسند" ومن طريقه البيهقي، انظر "الإرواء" (7/342/2314) ويحتاج إلى مزيد نظر حديثي.
برقم (126).
صحيح، انظر "الإرواء" (1/123 برقم 82).
أخرجه البخاري مختصرًا (6309) ومسلم (2747) واللفظ له.
انظر "مجموع الفتاوى" (3/317).
انظر "جامع العلوم والحكم" (ص 352-354).
انظر "الفتح" (12/3-4).
انظر "منهاج السنة النبوية" (5/239).
أخرجه البخاري (7352) ومسلم (1716).
صحيح، أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" برقم (17076) والبيهقي في "الكبرى" (8/315).
انظر "المغني" (10/353).
أخرجه البخاري (6780).
أخرجه الترمذي وابن ماجه، وصححه شيخنا الألباني – رحمه الله- بشواهده في "غاية المرام" (ص54/برقم 60)، وانظر "الإرواء" تحت رقم (1529).
انظر "مجموع الفتاوى" (3/229).
انظر "مجموع الفتاوى" (12/488,487,466), فالجهمية قاموا ضد أهل السنة, فقتلوا من قتلوا, وعذَّبوا، وسجنوا، واستحكمت فتنتهم أكثر من عشرين سنة, وأقامها ثلاثة من الخلفاء: المأمون, والمعتصم, والواثق, ومع ذلك فسيرة الأئمة معهم تدل على عدم تكفيرهم بأعيانهم, مع أن مقالتهم قد كَفَّر بها أكثرُ من خمسمائة عالم, قال ابن القيم في نونيته كما سبق.
انظر "مجموع الفتاوى" (3/281) (12/498) (28/500-501).
انظر "مجموع الفتاوى" (12/466).
انظر "شرح الطحاوية" (ص 357).
" الإعتصام" (2/ 197).
أي على قول المخالف, أو: الذي يلزم من قوله الكفر.
أخرجه البخاري (6016).
البخاري رقم (3017).
أخرجه ابن ماجه (4049) والحاكم (4/473 ، 545) وهو صحيح.
(5/130-131).
"تاريخ بغداد" (1/479) ، (11/434) ترجمة عبد الله أمير المؤمنين المأمون بن هارون الرشيد.
رابط الموضوع : http://www.assakina.com/taseel/6716.html#ixzz1SzONxY7C
محب الدعوة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس