ملتقى أهل الدعوة إلى الله عز وجل
 

العودة   ملتقى أهل الدعوة إلى الله عز وجل > المنتدى للتصفح فقط ولا يوجد تسجيل أو مشاركات سوى الإدارة .. لمراسلتنا على بريدنا ahldawa@gmail.com > قسم عقيدة أهل السنة والجماعة والرد على المخالفين
المنتديات موضوع جديد التعليمـــات المجموعات التقويم مشاركات اليوم البحث

آخر 1 مشاركات دعواتكم لإخوانكم في فلسطين وفي كل مكان ممن اُعتدي عليهم ودعواتكم لكل مسلم متضرر في شتى بقاع الأرض (الكاتـب : - )      
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-07-2018, 11:32 AM   #1
إداري
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 1,222
افتراضي الرد العلمي على من يطعن في أبي هريرة رضي الله عنه

الرد العلمي على من يطعن في أبي هريرة


الحمد لله تعالى ناصر أوليائه الصادقين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وأصحابه الغر الميامين، وأزواجه أمهات المؤمنين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.



أما بعد:

فإن بعض أصحاب القلوب المريضة قد طعنوا في راويةِ الإسلام أبي هريرة، فأصبح من واجبنا الدفاع عنه، وبيان منزلته، مع ذكر الشبهات التي أثارها بعض الناس عن شخصيته المباركة، والرد العلمي عليها؛ وذلك لأن الدفاع عن أبي هريرة إنما هو في الحقيقة، دفاع عن الإسلام جُملة وتفصيلًا.

فأقول وبالله تعالى التوفيق والسداد.



فضائل أبي هريرة:

(1) روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم، قلت في الطريق: يا ليلةً من طولها وعنائها، على أنها من دارة الكفر نجت (يعني نفسه)، قال: وأبق مني غلام لي في الطريق، قال: فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم بايعته، فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا هريرة، هذا غلامك؟))، فقلت: هو حر لوجه الله، فأعتقته؛ (البخاري حديث 2531).



(2) روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث، فقال: ((إن وجدتم فلانًا وفلانًا، فأحرقوهما بالنار))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج: ((إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما، فاقتلوهما))؛ (البخاري حديث 3016)[1].



(3) روى الشيخان عن الأعرج قال: أخبرني أبو هريرة قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يُكثر الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله الموعد، إني كنت امرأً مسكينًا ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فشهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، وقال: ((مَن يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه، فلن ينسى شيئًا سمعه مني))، فبسطت بردةً كانت علي، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئًا سمعته منه؛ ( البخاري حديث 7354 / مسلم حديث 2492 ).



(4) روى الترمذي عن أبي هريرة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بتمرات، فقلت: يا رسول الله، ادع الله فيهن بالبركة، فضمهنَّ ثم دعا لي فيهنَّ بالبركة، فقال: ((خذهنَّ واجعلهنَّ في مزودك، كلما أردت أن تأخذ منه شيئًا، فأدخِل فيه يدك، فخذه ولا تنثره نثرًا، فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله))، فكنا نأكل منه ونطعم، وكان لا يفارق حقوي حتى كان يوم قتل عثمان، فإنه انقطع؛ (حديث حسن)، (صحيح سنن الترمذي للألباني حديث 3015).



(5) روى البخاري عن أبي هريرة أنه قال: قيل: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه))؛ (البخاري حديث 99).



(6) روى البخاري عن أبي هريرة قال: ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبدالله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب؛ (البخاري حديث 113).



(7) روى الترمذي عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة: يا أبا هريرة، أنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحفظنا لحديثه؛ (حديث صحيح)، (صحيح سنن الترمذي للألباني حديث 3013).



(8) قال محمد بن قيس بن مخرمة: أتى رجل زيد بن ثابت، فسأله عن شيء، فقال: عليك بأبي هريرة؛ ( سير أعلام النبلاء جـ2 صـ616).



(9) قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره؛ (الإصابة لابن حجر العسقلاني جـ 4صـ 203).



(10) قال البخاري: روى عن أبي هريرة نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم، من الصحابة والتابعين وغيرهم؛ (أسد الغابة لابن الأثير جـ 5صـ 324).



شبهات حول أبي هريرة والرد عليها:

الشبهة الأولى:

قال الطاعنون: "كان أبو هريرة غامض الحسب، مغمور النسب، فاختلف الناس في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا، مما يدل على جهالته".



الرد على هذه الشبهة:

الرد من عدة وجوه:

أولًا: متى كان الاختلاف في اسم إنسان يشينه أو يسقط عدالته؟ ويكفي أن نعرفه بكنيته، كما عرفنا أبا بكر وأبا عبيدة وأبا دجانة الأنصاري، وأبا الدرداء، الذين اشتهروا بكناهم وغابت أسماؤهم عن كثير من الناس.



ثانيًا: لم نسمع في يوم من الأيام أن الحسب والنسب يقدم صاحبه في المفاضلة العلمية أو يؤخره.

ثالثًا: اشتهر أبو هريرة بكنيته من صغره، وعرفه الناس جميعًا بذلك، فما يضيره أن يعرف بكنيته ويختلف اسمه؟!

رابعًا: الاختلاف في الاسم طبيعي لا في أبي هريرة وحده، بل في كل إنسان عرف بكنيته منذ نعومة أظفاره.



خامسًا: مرد الخلاف في اسم أبي هريرة إلى ثلاثة أسماء (عمير وعبدالله وعبدالرحمن)؛ كما قال ابن حجر العسقلاني.

سادسًا: قد اختلف أهل العلم في اسم ونسب غير أبي هريرة على أكثر من ذلك، ولم يروا فيهم عيبًا أو مطعنًا بسبب ذلك؛ (أبو هريرة؛ لمحمد عجاج الخطيب صـ 167).



الشبهة الثانية:

قال الطاعنون: روى البخاري عن أبي هريرة قال: "حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين - (نوعين من العلم) - فأما أحدهما فبثثته - (أي أذعته ونشرته) - وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البُلعوم - (كنى بذلك عن القتل)"؛ (البخاري حديث:120).

وهذا دليل على أن أبا هريرة كتم علمًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يظهره للناس.



الرد على هذه الشبهة:

الرد من عدة وجوه:

أولًا: قال الإمام ابن حجر العسقلاني: حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يُكني عن بعضه ولا يصرح به خوفًا على نفسه منهم؛ كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين، وإمارة الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية؛ لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة، فمات قبلها بسنة؛ (فتح الباري لابن جحر العسقلاني جـ1صـ2169).

وقال الإمام ابن كثير: هذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به هو الفتن والملاحم، وما وقع بين الناس من الحروب والقتال، وما سيقع، التي لو أخبر بها قبل كونها لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه، وردوا ما أخبر به من الحق، كما قال: لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف، لَمَا صدقتموني؛ (البداية والنهاية لابن كثير جـ8صـ106).



ثانيًا: يجوز كتمان بعض العلم إذا ترتب عليه فتنة.

روى مسلم عن عبادة بن الصامت أنه قال: والله ما من حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكم فيه خير إلا حدثتكموه، إلا حديثًا واحدًا وسوف أحدثكموه اليوم، وقد أحيط بنفسي - (أي قربت من الموت) - سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((مَن شهِد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، حرَّم الله عليه النار))؛ (مسلم حديث: 29).



(1) قال القاضي عياض: قوله: (ما من حديث لكم فيه خير إلا وقد حدثتكموه)، فيه دليل على أنه كتم ما خشي الضرر فيه والفتنة، مما لا يحتمله عقل كل واحد، وذلك فيما ليس تحته عمل ولا فيه حد من حدود الشريعة، قال: ومثل هذا عن الصحابة رضي الله عنهم كثير في ترك الحديث بما ليس تحته عمل ولا تدعو إليه ضرورة، أو لا تحمله عقول العامة، أو خُشِيت مَضرته على قائله أو سامعه، ولا سيما ما يتعلق بأخبار المنافقين، والإمارة، وتعيين قوم وصفوا بأوصاف غير مستحسنة، وذم آخرين ولعْنهم، والله أعلم؛ (مسلم بشرح النووي جـ1صـ265).



(2) روى البخاري عن علي بن أبي طالب قال: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتُحبون أن يُكذَّب الله ورسوله»؛ (البخاري حديث:127).



ثالثًا: قال الإمام الذهبي: لو بث أبو هريرة ذلك الوعاء لأُوذي، بل لقُتل، ولكن العالم قد يؤديه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلاني إحياءً للسنة، فله ما نوى، وله أجر، وإن غلط في اجتهاده؛ (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ2صـ598،597).



رابعًا: قول الطاعنين بأن أبا هريرة كتم علمًا عن النبي صلى الله عليه وسلم غير صحيح؛ لأن أبا هريرة كان حريصًا على نشر العلم؛ روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: والله لولا آيتان في كتاب الله، ما حدثتكم شيئًا أبدًا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 159، 160]؛ (البخاري حديث: 2350/مسلم حديث: 227).



الشبهة الثالثة:

قال الطاعنون: "إن كثرة أحاديث أبي هريرة مع قِصَر مدة مصاحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، دليل على أنه وضع أحاديث كثيرة من عنده، ونسبها كذبًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم".



الرد على هذه الشبهة:

سبحانك هذا بهتان عظيم.

الرد من عدة وجوه:

أولًا: لماذا يعجب الطاعنون من قوة حافظة أبي هريرة، فليس هذا مجالًا للدهشة والطعن؛ لأن كثيرًا من العرب قد حفظوا أضعاف أضعاف ما حفظه أبو هريرة، فكثير من الصحابة حفظوا القرآن الكريم والحديث والأشعار، فماذا يقول الطاعنون في هؤلاء؟ وماذا يقولون في حفظ أبي بكر الصديق لأنساب العرب؟! (أبو هريرة؛ لمحمد عجاج الخطيب صـ:204).



ثانيًا: ماذا يقول الطاعنون في حماد بن سابور بن المبارك (95 - 155 هـ): أول مَن لُقِّب بالراوية، وكان من أعلم الناس بأيام العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها، وكان يحفظ المعلقات السبع، وكان يحفظ على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات، من شعر الجاهلية دون الإسلام؛ (الأعلام للزركلي جـ2صـ271).



ثالثًا: معظم الأحاديث التي رواها أبي هريرة لم ينفرد بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل شاركه في روايتها غيره من الصحابة.



رابعًا: لماذا يطعن الطاعنون من الشيعة على كثرة أحاديث أبي هريرة، ولا يطعنون على بعض رواة الشيعة، ومنهم: جابر بن يزيد الجعفي الذي روى عن الإمام محمد الباقر سبعين ألف حديث، وعن باقي أئمة الشيعة مائة وأربعين ألف حديث، ومنهم أيضًا أبان بن تغلب الذي روى عن الإمام جعفر الصادق ثلاثين ألف حديث، ومنهم كذلك محمد بن مسلم الذي روى عن الإمام محمد الباقر ثلاثين ألف حديث، وعن الإمام جعفر الصادق ستة عشرة ألف حديث، في حين أن أبا هريرة قد روى أقل من ذلك بكثير؛ حيث بلغ عدد أحاديثه خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثًا، وهذا يُبين تناقض هؤلاء الطاعنين؛ (معاوية بن أبي سفيان؛ لعلي محمد الصلابي صـ346:345).



خامسًا: شهِد الصحابة والتابعون وأهل العلم جميعًا لأبي هريرة بقوة الحفظ وحضور الذاكرة.

(1) قال عبدالله بن عمر بن الخطاب: يا أبا هريرة، كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمنا بحديثه؛ (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ2صـ629).

(2) قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره؛ (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ2صـ599).

(3) قال الذهبي عن أبي هريرة: هو الإمام، الفقيه، المجتهد، الحافظ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو هريرة الدوسي، اليماني، سيد الحفاظ الأثبات؛ (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ2صـ578).

وقال الذهبي أيضًا: أبو هريرة: إليه المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول عليه السلام وأدائه بحروفه؛ (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ2صـ619).



سادسًا: إن كثرة الأحاديث التي رواها وحملها عن النبي صلى الله عليه وسلم لها أسباب مشروعة ساعدته على حفظها، ومن أهمها:

(1) كثرة ملازمة أبي هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم:

روى الشيخان عن الأعرج عن أبي هريرة، قال: "إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثًا، ثم يتلو: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 159، 160]، إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون"؛ (البخاري حديث 118).



(2) بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة بحفظ الحديث:

روى البخاري عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه؟ قال: ((ابسط رداءك))، فبسطته، قال: فغرف بيديه، ثم قال: ((ضمه))، فضممته، فما نسيت شيئًا بعده؛ (البخاري حديث:119).



(3) تأخر وفاة أبي هريرة: حيث إنه مات عام تسعة وخمسين من الهجرة، وكان عمره ثمان وسبعون سنة؛ (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ 2 صـ 627).



الشبهة الرابعة:

قال الطاعنون: «قال عمر بن الخطاب لأبي هريرة: "لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس".



الرد على هذه الشبهة:

أولًا: قال ابن كثير بعد أن ذكر هذه الرواية: «هذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي يضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلون على ما فيها من أحاديث الرخص، أو أن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه، أو نحو ذلك»؛ (البداية والنهاية لابن كثير جـ8صـ106).



ثانيًا: نقل أهل العلم أن عمر بن الخطاب أذن لأبي هريرة بعد ذلك في التحديث، بعد أن عرف ورعه وخشيته الخطأَ؛ (أبو هريرة ـ لمحمد عجاج الخطيب صـ213).

قال الإمام الذهبي: قال أبو هريرة: «بلغ عمر حديثي، فأرسل إلي، فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت فلان؟ قال: قلت: نعم، وقد علمت لم سألتني عن ذلك، قال: ولم سألتك؟ قلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، قال: إما إذًا فاذهب فحدث»؛ (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ 2 صـ 603).



الشبهة الخامسة:

قال الطاعنون: قال عمر بن الخطاب: «أكذب المحدثين أبو هريرة».



الرد على هذه الشبهة:

أولًا: هذا كذب وافتراء على الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وهذا الادعاء باطل، ولا يوجد في شيء من كتب أهل الحديث الموثوق بهم.



ثانيًا: روى أحمد عن ثابت بن قيس أن أبا هريرة، قال: أخذت الناس ريح بطريق مكة، وعمر بن الخطاب حاج، فاشتدت عليهم، فقال عمر لمن حوله: من يحدثنا عن الريح؟ فلم يرجعوا إليه شيئًا، فبلغني الذي سأل عنه عمر من ذلك، فاستحثثت راحلتي حتى أدركته، فقلت: يا أمير المؤمنين، أخبرت أنك سألت عن الريح، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الريح من روح الله، تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها، فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا به من شرها))؛ (حديث صحيح لغيره) (مسند أحمد جـ13صـ69 حديث: 7631).



هذه الحادثة تنفي كل ما روي من تكذيب عمر لأبي هريرة أو الطعن في حديثه، أو تهديده بالنفي، فنقول: هل يعقل أن يسرع أبو هريرة إلى عمر، وهو يعلم أن عمر سيكذبه؟! وهل يعقل أن أبا هريرة يضربه عمر، ويكذبه ويهدده بالنفي، ثم يرافقه في الحج؟! هذا بعيد جدًّا؛ (أبو هريرة - لمحمد عجاج الخطيب صـ215).



الشبهة السادسة:

قال الطاعنون: روى عبدالله بن عمر أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: ((من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية، انتقص من أجره كل يوم قيراطان))، قالوا: كان أبو هريرة يروي هذا الحديث هكذا، «إلا كلب صيد أو ماشية أو كلب زرع»، فيزيد كلب زرع، فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: «أو كلب زرع»، قال ابن عمر: «إن لأبي هريرة زرعًا»، وهذا طعن من ابن عمر في رواية أبي هريرة.



الرد على هذه الشبهة:

الرد من وجهين:

أولًا: روى عبدالله بن عمر روايةً تثبت صحة رواية أبي هريرة.

روى مسلم عن أبي الحكم قال: سمعت ابن عمر يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من اتخذ كلبًا، إلا كلب زرع، أو غنم، أو صيد، ينقص من أجره كل يوم قيراط))؛ (مسلم حديث: 1574).



ثانيًا: هؤلاء الطاعنون تسرَّعوا في الحكم على رواية أبي هريرة، وحملوا كلام عبدالله بن عمر على أنه طعن في أبي هريرة، وهذا غير صحيح، فلا يوجد في قول ابن عمر تكذيب أو طعن في رواية أبي هريرة، فكل ما في الأمر أن أبا هريرة حفظ هذا الحديث؛ لأن عنده زرعًا.



قال الإمام النووي: قال العلماء ليس هذا توهينًا لرواية أبي هريرة، ولا شكًّا فيها، بل معناه أنه لما كان صاحب زرع وحرث، اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه، والعادة أن المبتلى بشيء يتقنه ما لا يتقنه غيره، ويتعرف من أحكامه ما لا يعرفه غيره؛ (مسلم بشرح النووي جـ5صـ507).

وقال الإمام ابن عساكر: «قول ابن عمر هذا: (إن لأبي هريرة زرعًا)، لم يرد به التهمة لأبي هريرة، وإنما أراد أن أبا هريرة حفظ ذلك؛ لأنه كان صاحب زرع، وصاحب الحاجة أحفظ لها من غيره؛ (تاريخ دمشق لابن عساكر جـ67صـ348).



الشبهة السابعة:

قال الطاعنون: "كان أبو هريرة تلميذًا لكعب الأحبار، ساعده أبو هريرة على نشر الإسرائيليات في الإسلام".



الرد على هذه الشبهة:

الرد على هذه الشبهة من عدة وجوه:

أولًا: كعب الأحبار: هو كعب بن ماتع الحميري، اليماني، العلامة، الحبر، الذي كان يهوديًّا، فأسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر رضي الله عنه، فجالس أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ عجائب، ويأخذ السنن عن الصحابة، وكان حسن الإسلام، سكن بالشام، وكان يغزو مع الصحابة؛ (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ3ـ صـ:490:489).



ثانيًا: إن اتهام أبي هريرة بأنه كان مطية لكعب الأحبار لنشر الإسرائيليات في الإسلام، كذب وافتراء على أبي هريرة.



ثالثًا: المشهور عن أبي هريرة أنه كان يعزو كل ما يحدث به عن غير النبي صلى الله عليه وسلم إلى قائله، فبالأحرى أن يبين حديث كعب الأحبار، وما يقوله له كعب، ولا يمكن لإنسان أن يتصور أبا هريرة الذي روى حديث: «من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار» عن الرسول صلى الله عليه وسلم - أن يكذب على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام، وينسب ما يقوله كعب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة أن كعب الأحبار لم يلق النبي عليه الصلاة والسلام.



رابعًا: إن كان أبو هريرة وابن عباس قد سمعا من كعب وروَيَا عنه، فإنما رويا أخبار الأمم الماضية وعزواها إليه.



خامسًا: ربما يكون بعض السامعين قد خلط بين ما يروي أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما يرويه من القصص عن كعب، قال بسر بن سعيد: اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ2صـ606).



سادسًا: ليس في تحديث أبي هريرة عن كعب الأحبار أي حرج أو مانع وقد سمح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، ولكن ليس لأحد أن يزعم أن أبا هريرة كان ينسب ما يحدث به عن كعب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ (أبو هريرة؛ لمحمد عجاج الخطيب صـ247:246).



الشبهة الثامنة:

قال الطاعنون: "قال عروة بن الزبير بن العوام: قال لي الزبير: يا بني، أدنني من هذا اليماني؛ يعني: أبا هريرة، فإنه يكثر الحديث عن رسول الله، فأدنيته منه، فجعل أبو هريرة يحدث، فيقول الزبير: صدق كذب، قال عروة: قلت: يا أبي ما قولك: صدق، كذب؟! قال: يا بني، إما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا أشك، ولكن منها ما وضعه على مواضعه، ومنها ما لم يضعه على مواضعه"؛ (تاريخ ابن أبي خيثمة جـ2صـ705).



الرد على هذه الشبهة:

الرد على هذه الشبهة من وجهين:

أولًا: إسناد هذه الرواية غير صحيح.



ثانيًا: لو افترضنا صحة هذه الرواية، فليس فيها تكذيب لأبي هريرة، فالزبير بن العوام لم يعترض على سماع أبي هريرة أو عدم سماعه، بل سلم بالسماع لأبي هريرة، ولم يشك فيه، إنما قال عندما سمع أحاديث أبي هريرة الكثيرة: إنه يضع بعضها على غير ما يجب أن يوضع، ولا ضرر على أبي هريرة في ذلك، ولا سبيل للطعن في صدقه؛ لأنه لم يتقول على رسول الله ما لم يقل، ومعنى قوله: صدق، كذب (أصاب، وأخطأ)؛ (أبو هريرة؛ لمحمد عجاج الخطيب صـ:233:232).



الشبهة التاسعة:

قال الطاعنون: "كيف يروي أبو هريرة أكثر من مجموع الخلفاء الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟!".



الرد على هذه الشبهة:

من الخطأ أن يقارن الطاعنون بين الخلفاء الراشدين وأبي هريرة في مجال الحفظ وكثرة الرواية لأسباب كثيرة؛ أهمها:

(1) من المعلوم أن الخلفاء الأربعة - أبا بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم - سبقوا أبا هريرة في إسلامهم وصحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرو عنهم مثل ما روى عن أبي هريرة، إلا أن الخلفاء الراشدين الأربعة قد اهتموا بأمور الدولة.

وأرسلوا العلماء وحفاظ القرآن الكريم والقضاة إلى البلدان الإسلامية، فأدوا الأمانة التي حملوها في توجيه شؤون الأمة الإسلامية، فكما لا نلوم خالد بن الوليد على قلة حديثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم - لانشغاله بالجهاد في سبيل الله - لا نلوم أبا هريرة على كثرة حديثه لانشغاله بالعلم.



(2) انصراف أبي هريرة إلى العلم والتعليم واعتزاله السياسة، واحتياج الناس إليه لامتداد عمره، يجعل الموازنة بينه وبين غيره من الصحابة السابقين أو الخلفاء الراشدين غير صحيحة؛ (أبو هريرة؛ لمحمد عجاج الخطيب صـ:206:205).



الشبهة العاشرة:

قال الطاعنون: "إن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تطعن في رواية أبي هريرة".



الرد على هذه الشبهة:

الرد على هذه الشبهة من وجهين:

أولًا: هذا كذب وافتراء على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

روى مسلم عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدَّثه أن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة، جاء فجلس إلى جنب حجرتي يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، يسمعني ذلك، وكنت أُسبح - (أصلي نافلةً) - فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يكن يسرد الحديث كسردكم؛ (أي: يكثره ويتابعه)؛ (مسلم حديث: 2493).



ثانيًا: إنكار عائشة رضي الله عنها على أبي هريرة لم يكن موجهًا إلى ما يحدث به، إنما أنكرت عليه أن يسرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحجة عائشة فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان «يحدث حديثًا لو عده العاد لأحصاه»؛ (البخاري حديث: 3567).



ثالثًا: لو أنكرت عائشة رضي الله عنها على أبي هريرة غير سرده للحديث، لقالت ذلك، فأبو هريرة لم يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يخطئ أثناء تحديثه حتى تكذبه عائشة، فكل ما كان من أبي هريرة أنه كان يسرد الحديث ويكثر منه في مجلسه، فأي شيء يضير أبا هريرة إذا كان متيقظًا متنبهًا عارفًا لما يروي؟! (أبو هريرة؛ لمحمد عجاج الخطيب صـ:224).



الشبهة الحادية عشرة:

قال الطاعنون: "من الأحاديث التي عارض فيها الصحابة أبا هريرة أن أبا هريرة روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن «من حمل جنازةً فليتوضأ»، فلم يأخذ ابن عباس بخبره ورده صريحًا، قال: «لا يلزمنا الوضوء من حمل عيدان يابسة»".



الرد على هذه الشبهة:

قال الإمام الزركشي: وأما ما روي عن أبي هريرة أنه قال: «من غسل ميتًا اغتسل، ومن حمله توضأ»، فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها، فقالت: أَوَنجسٌ موتى المسلمين؟! وما على رجل لو حمل عودًا؟!».

قال البيهقي في ذلك: «الروايات المرفوعة في هذا الباب من أبي هريرة غير قوية؛ لجهالة رواتها، وضَعف بعضهم»، والصحيح أن هذا القول موقوف على أبي هريرة، فإن صح عنه ذلك فهو رأي، وليس في ذلك كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ليس في ذلك تكذيب الصحابة له؛ (أبو هريرة؛ لمحمد عجاج الخطيب صـ232:231).



الشبهة الثانية عشرة:

يقول الطاعنون: «كُنِّي أبا هريرة بهرة صغيرة كان مغرمًا بها، ولعل من غرامه بها حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت هزلًا)).



الرد على هذه الشبهة:

الرد من عدة وجوه:

أولًا: إن أبا هريرة الطفل الصغير الذي كان يرعى غنم أهله، ويداعب هرته في نهاره ويضعها في شجرة أثناء الليل، ما كان يظن ولا يتوقع أن تصبح كنيته سبب مهانته وازدرائه، فأي عار لأبي هريرة في كنيته؟! وأي إثم اقترفه حين لقَّبه أهله بذلك؟!



ثانيًا: اتهام أبي هريرة أنه وضع حديث الهرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كذب وافتراء، فمعاذ الله أن يجرؤَ أبو هريرة ويكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل هرته التي رافقته في صغره!



ثالثًا: هذا الحديث قد رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والدارمي وابن ماجه.



رابعًا: لم ينفرد به أبو هريرة، بل رواه أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن عمر وأسماء بنت أبي بكر، فهل هؤلاء شاطروا أبا هريرة في كذبه؟! أم أن لهؤلاء هررًا حملتهم على وضع مثل حديث أبي هريرة؟! إن الحقيقة ترد هذا الافتراض والتخمين الذي تصوره الطاعنون؛ (أبو هريرة ـ لمحمد عجاج الخطيب صـ:168).



الشبهة الثالثة عشرة:

يقول الطاعنون: «نشأ أبو هريرة في مسقط رأسه في اليمن، وشب حتى زاد على الثلاثين عامًا، جاهليًّا، لا يستضئ بنور بصيرة، ولا يقدح بزناد فهمٍ، صعلوكًا قد أخمله الدهر، ويتيمًا أزرى به الفقر، يخدم هذا وذاك، مؤجرًا نفسه بطعام بطنه حافيًا عاريًا، راضيًا بهذا الهوان».



الرد على هذه الشبهة:

الرد من عدة وجوه:

أولًا: هل كان جميع الناس في الجاهلية متعلمين أو علماء؟ ألم يكن كثير من الصحابة أميين جاهلين قبل الإسلام، فشرح الله صدورهم للإيمان، وثبَّته في قلوبهم، فأصبحوا سادات زمانهم، وعلماء عصرهم، وأساتذة أُمتهم.



ثانيًا: كيف استنتج هؤلاء الطاعنون عدم فهم أبي هريرة؟ هل استعملوا مع أبي هريرة مقاييس الحفظ والذكاء؟! سبحانك هذا بهتان عظيم!



ثالثًا: ماذا يضر أبا هريرة إذا لم ينتشر صيته في الآفاق؟! وهل كان وحده كذلك أم أن أبا بكر وعمر وعثمان وسعد بن أبي وقاص، وعبدالرحمن بن عوف وأكثر الصحابة كانوا غير معروفين قبل الإسلام؟ وهل يجرؤ إنسان أن يسلب عدالة هؤلاء وغيرهم؛ لأن شهرتهم لم تصل إلى مشارق الأرض ومغاربها قبل أن يكونوا مسلمين؟!



رابعًا: رمي أبي هريرة بالتصعلك فهذا ما لا نرضاه منه ولا من غيره، فإن كان يريد بها ما يفهمه عوام عصرنا من الدناءة والخسة، وانحطاط القدر والتطفل، فيكون قد حكم عليه من غير دليل ولا حجة، وإن كان يريد بها الفقر والحاجة وهو المعنى اللغوي، فنقول: نعم، لم يكن أبو هريرة غنيًّا، إنه أحد ملايين الفقراء الذين عاشوا كرامًا رغم الفقر، ومتى كان الفقر رذيلة أو عارًا؟ إننا لم نسمع في عصر من العصور بسقوط عدالة إنسان أو احتقاره بسبب فقره؛ (أبو هريرة؛ لمحمد عجاج الخطيب صـ:170:169).



الشبهة الرابعة عشرة:

يقول الطاعنون: روى البخاري عن أبي هريرة قال: «ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبدالله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب»؛ (البخاري حديث:113).

فأبو هريرة بذلك يعترف بكذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم.



الرد على هذه الشبهة:

سبحانك هذا بهتان عظيم!

الرد من عدة وجوه:

أولًا: هذا الحديث يدل على أن عبدالله بن عمرو بن العاص كان أكثر أخذًا للحديث من أبي هريرة؛ لأنه كان يكتب وأبو هريرة لا يكتب.



ثانيًا: يحتمل أن يكون قول أبي هريرة هذا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يدعو لأبي هريرة بالحفظ.



ثالثًا: كل ما في الأمر أن عبدالله بن عمرو بن العاص حمل من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أبي هريرة، إلا أنه لم يتيسر له نشره.



رابعًا: قال الإمام ابن حجر العسقلاني (رحمه الله): قول أبي هريرة: (فإنه كان يكتب ولا أكتب)، هذا استدلال من أبي هريرة على ما ذكره من أكثرية ما عند عبدالله بن عمرو بن العاص على ما عنده، ويستفاد من ذلك أن أبا هريرة كان جازمًا بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم منه إلا عبدالله، مع أن الموجود المروي عن عبدالله بن عمرو أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة، ويرجع ذلك للأسباب التالية:

(1) كان عبدالله بن عمرو مشتغلًا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقلَّت الرواية عنه.



(2) كان أكثر مقام عبدالله بن عمرو بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصديًا فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا مِن كثرة مَن حمل عن أبي هريرة، فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثمانمائة نفس من التابعين، ولم يقع هذا لغيره.



(3) ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له بأن لا ينسى ما يحدثه به.

(4) كان عبدالله بن عمرو قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين؛ (فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ1صـ250).



الشبهة الخامسة عشرة:

قال الطاعنون: "سرق أبو هريرة عشرة آلاف دينار حينما كان أميرًا على البحرين لعمر بن الخطاب، فعزله وضربه بالدرة حتى أدماه".



الرد على هذه الشبهة:

الرد من وجهين:

أولًا: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاسم أبا هريرة ماله، كما قاسم غيره من الولاة، ولم يثبت في رواية صحيحة أن عمر ضرب أبا هريرة حتى أدماه.



ثانيًا: لو شك عمر بن الخطاب في أمانة أبي هريرة، ما عرض عليه الولاية مرة أخرى؛ (أبو هريرة؛ لمحمد عجاج الخطيب صـ87:86).

روى عبدالرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد بن سيرين: أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله وعدو كتابه، فقال أبو هريرة: فقلت: لست بعدو الله وعدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما، قال: فمن أين هي لك؟ قلت: خيل نتجت، وغلة رقيق لي، وأعطية تتابعت، فنظروا، فوجدوه كما قال، فلما كان بعد ذلك، دعاه عمر ليوليه، فأبى، فقال: تكره العمل، وقد طلب العمل من كان خيرًا منك يوسف عليه السلام، فقال: يوسف نبي ابن نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة، وأخشى ثلاثًا واثنتين، قال: فهلَّا قلت خمسًا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حلم، وأن يُضرب ظهري، ويُنتزع مالي، ويُشتم عرضي؛ ( إسناده صحيح)؛ (مصنف عبدالرزاق جـ 11 صـ 323 رقم 20659).



الشبهة السادسة عشرة:

قال الطاعنون: "كان أبو هريرة يناصر الأمويين، ويتحدث بفضائلهم، وأن معاوية بن أبي سفيان جعل أبا هريرة يتكلم في حق علي بن أبي طالب".



الرد على هذه الشبهة:

الرد من عدة وجوه:

أولًا: أهل العلم جميعًا يعلمون أن أبا هريرة كان محبًّا لأهل البيت، ولم يناصبهم العداء أبدًا، وكان مشهورًا عنه تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يحب من أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم.



ثانيًا: أبو هريرة لم يكن دائمًا على صلة حسنة بمعاوية، فقد عزله معاوية عن المدينة وجعل مكانه مروان بن الحكم.



ثالثًا: لو كان أبو هريرة مؤيدًا للأمويين ما روى أحاديث في فضائل أهل البيت، وخاصة علي بن أبي طالب.

(1) روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يوم خيبر: ((لأعطينَّ هذه الراية رجلًا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه))، قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها - (أي: أظهرت وجهي ليتذكرني) - رجاء أن أُدعى لها، قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فأعطاه إياها، وقال: ((امشِ، ولا تلتفت، حتى يفتح الله عليك))، قال: فسار علي شيئًا، ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟ قال: ((قاتِلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله))؛ (مسلم حديث:2405).



(2) روى النسائي عن أبي هريرة، قال: "جئت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة، قال: ما كنتم تنادون؟ قال: «كنا ننادي إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فأجله أو أمده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر، فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج بعد العام مشرك، فكنت أنادي حتى صحل صوتي»؛ (حديث صحيح)، صحيح سنن النسائي للألباني حديث:2769).



(3) روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة - (وعاء من جلد يجعل فيه السمن وغيره) - التي ليس فيها شيء، فنشقها فنلعق ما فيها»؛ (البخاري حديث: 3708).



(4) روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق من أسواق المدينة، فانصرف فانصرفت، فقال: ((أين لكع - (كناية عن الصغير) - ثلاثًا، ادع الحسن بن علي))، فقام الحسن بن علي يمشي وفي عنقه السخاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده (أشار) هكذا، فقال الحسن بيده هكذا، فالتزمه - (ضمه بين يديه إلى صدره) - فقال: ((اللهم إني أُحبه فأحِبَّه، وأَحبِبْ مَن يُحبه))، وقال أبو هريرة: فما كان أحد أحب إلي من الحسن بن علي، بعد ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال؛ (البخاري حديث: 5884/مسلم حديث: 2421).



رابعًا: المنصفون من أهل العلم لم يتهموا أبا هريرة بالتشيع لعلي، ولا بالعداء لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فأبو هريرة لا يتحزب لأحد، ولا يجامل أحدًا على حساب الدين، ولا يسير وراء هوى متبع أو شهوة جامحة، إنما هو ذلك الصحابي العظيم الذي عرفنا استقامته وعدالته، وتقواه وورعه وأمانته.



خامسًا: لم يثبت أن معاوية بن أبي سفيان حمل أحدًا على الطعن في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولم يثبت عن أحد من الصحابة أنه تطوع في ذلك، أو أخذ أجرًا مقابل وضع الحديث، والصحابة جميعًا أسمى وأرفع من أن ينحطوا إلى هذا الحضيض، ومعاذ الله أن يفعل هذا إنسان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع حديثه وزجره عن الكذب؛ (أبو هريرة؛ لمحمد عجاج الخطيب صـ184:182).



سادسًا: كان أبو هريرة ينهي الأمويين عن المنكر، ولا يجامل أحدًا على حساب الدين.

روى مسلم عن أبي زرعة، قال: دخلت مع أبي هريرة في دار مروان بن الحكم، فرأى فيها تصاوير، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي؟! فليَخلقوا ذرةً، أو ليَخلقوا حبةً، أو ليَخلقوا شعيرةً))؛ (مسلم حديث: 2111).



الشبهة السابعة عشرة:

قال الطاعنون: "كان أبو هريرة يصطحب النبي صلى الله عليه وسلم من أجل الحصول على الطعام فقط، بدليل ما رواه الشيخان عن الأعرج، قال: أخبرني أبو هريرة قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الموعد، إني كنت امرأً مسكينًا ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم"؛( البخاري حديث 7354 / مسلم حديث 2492 ).



الرد على هذه الشبهة:

الرد من وجهين:

أولًا: قال الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله: إن السبب الأصلي الذي اقتضى لأبي هريرة كثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ملازمته له ليجد ما يأكله؛ لأنه لم يكن له شيء يتجر فيه، ولا أرض يزرعها، ولا يعمل فيها، فكان لا ينقطع عنه؛ خشية أن يفوته القوت، فيحصل في

هذه الملازمة من سماع الأقوال ورواية الأفعال، ما لا يحصل لغيره ممن لم يلازمه ملازمته؛ (فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ13صـ323).



ثانيًا: هذا الحديث يوضح تفرُّغ أبي هريرة التام لطلب العلم، وحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يشغله شيء عن طلب العلم حتى الطعام الذي يشغل غيره، يجده عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.



ثالثًا: لو كان أبو هريرة يريد إشباع بطنه فقط، لترك ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم، وبحث عن عمل عند بعض الصحابة؛ حتى لا يتعرض للجوع الذي كان يعاني منه أحيانًا.

روى البخاري عن مجاهد أن أبا هريرة كان يقول: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي، وما في وجهي، ثم قال: ((يا أبا هِرٍّ))، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((الْحَقْ))، ومضى فتبعته، فدخل فاستأذن، فأذِن لي، فدخل فوجد لبنًا في قدح، فقال: ((مِن أين هذا اللبن؟))، قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: ((أبا هِرٍّ))، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((الْحَقْ إلى أهل الصفة، فادعهم لي))؛ (البخاري حديث6452).



رابعًا: لو كان أبو هريرة مهتمًّا بالطعام فقط، لكان بوسعه أن يحصل على بعض الأغنام التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرضها على الصحابة، فيقوم أبو هريرة برعيها والاستفادة من لحمها وألبانها.



من هم الطاعنون في أبي هريرة؟

قال الإمام أبو بكر بن خزيمة - (المولود عام هـ223والمتوفى عام 311هـ) -: يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره مَن قد أعمى الله قلوبهم، فلا يفهمون معاني الأخبار:

(1) إما معطل جهمي، يسمع أخباره التي يرونها خلاف مذهبهم الذي هو كفر، فيشتمون أبا هريرة، ويرمونه بما الله تعالى قد نزهه عنه؛ تمويهًا على الرعاء والسفل أن أخباره لا تثبت بها الحجة.



(2) وإما خارجي يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يرى طاعة خليفة، ولا إمام إذا سمع أخبار أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف مذهبهم الذي هو ضلال، لم يجد حيلةً في دفع أخباره بحجة وبرهان، كان مفزعه الوقيعة في أبي هريرة.



(3) أو قدري اعتزل الإسلام وأهله، وكفَّر أهل الإسلام الذين يتبعون الأقدار الماضية التي قدرها الله تعالى، وقضاها قبل كسب العباد لها، إذا نظر إلى أخبار أبي هريرة التي قد رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات القدر، لم يجد بحجة يريد صحة مقالته التي هي كفر وشرك، كانت حجته عند نفسه أن أخبار أبي هريرة لا يجوز الاحتجاج بها.



(4) أو جاهل يتعاطى الفقه ويطلبه من غير مظانه، إذا سمع أخبار أبي هريرة فيما يخالف مذهب من قد اجتبى مذهبه، وأخباره؛ تقليدًا بلا حجة ولا برهان، كلم في أبي هريرة، ودفع أخباره التي تخالف مذهبه، ويحتج بأخباره على مخالفته إذا كانت أخباره موافقةً لمذهبه، وقد أنكر بعض هذه الفرق على أبي هريرة أخبارًا لم يفهموا معناها؛ (مستدرك الحاكم جـ 3 صـ 513).



أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا - أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله ذخرًا لي عنده يوم القيامة؛ ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]؛ كما أسأله سبحانه أن ينفع به طلاب العلم!

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.


[1] قوله: (بعث)؛ أي: في جيش لقتال العدو، هذا الحديث فيه منقبة لأبي هريرة لاشتراكه في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم



كتبه صلاح نجيب ..
منقول
محب الدعوة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:08 AM بتوقيت مسقط


Design By: aLhjer Design
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. Translated By Sma-jo.com